مقابلات ومقالات

  • شارك:

كيف يمكن إعادة الثقة في الجهاز المصرفي؟


جمعية البنوك اليمنية - صنعاء     بتاريخ: 2026/06/02

 

نبيل علي العابد*

عملية إعادة الثقة بالجهاز المصرفي اليمني عملية شاقة دونها شروط عدة، ومهمة معقدة لا تتطلب اتخاذ تدابير تنظيمية فحسب بل تتطلب تضافر جهود مكثفة وشجاعة ومسؤولة من قبل القطاعين العام والخاص، لتغيير التصور العام إلى جانب النصوص التشريعية، هذا فضلاً عن أن قيام القطاع المصرفي اليمني يستند أساساً إلى نمو الاقتصاد وخلاصة من حالة المرحلة التي لا يزال يعاني منها حتى الآن.

   وهنا سأحاول أن أصنف الشروط التي أظن أنها ضرورية لإعادة الثقة بالجهاز المصرفي اليمني وتتضمن سبعة شروط مصرفية، وتجدد انطلاقته من خلال تبني البنك المركزي اليمني إعداد وإصدار قانون الخدمات المصرفية الطارئة بمشاركة جميع البنوك بغرض تحقيق أهداف فورية:

-استعادة ثقة الجمهور في البنوك من خلال ضمان ملاءتها وطمأنة المودعين بأن أموالهم آمنة.

-استقرار النظام المالي ومنع المزيد من الانهيارات.

والغرض من ذلك تحقيق توازن دقيق بين ضمان الاستقرار، والسماح لقوى السوق بالعمل، وذلك عن طريق:

1.تقديم المساعدة المالية للبنوك المتعثرة.

2. تفعيل مؤسسة التأمين على الودائع للقيام بعملها وفق قرار إنشائها.

يجب أن يتضمن قانون الخدمات المصرفية الطارئة المقترح إخراجه الشروط المصرفية الآتية:

الشرط الأول: إقفال ملف البنوك المتعثرة:

إقفال ملف البنوك المتعثرة (أو تسوية القروض المتعثرة/الديون المعدومة) هو عملية معقدة تهدف إلى إنهاء العلاقة التعاقدية بين البنك والعميل المتعثر، وإغلاق ملف الدين نهائياً، سواء من خلال السداد، التسوية، أو الإجراءات القانونية.

والتخلص من المؤسسات المعسرة مع حماية المؤسسات السليمة، وقد تزرع هذه العملية شعوراً بالطمأنينة لدى المودعين، حيث سيشهدون جهداً ملموساً لمعالجة المشاكل الأساسية التي تعاني منها البنوك، ونتيجة لذلك، سيبدأ الناس يستعيدون ثقتهم في النظام المالي، مما يؤدى إلى زيادة تدريجية في الودائع ووقف التدافع بسحب الأموال من البنوك على نطاق واسع.

الشرط الثاني: تعزيز مستويات الملاءة والسيولة:

لقد نال التضخم من الأموال الخاصة البنوك العاملة في اليمن كافة بحيث تدنت معدلات نسب الملاءة لدى البنوك وكذلك تدني معدل الملاءة الإجمالي البنوك كافة بشكل كبير، لذلك فإنه أصبح لزاماً علينا أن نتصدى لهذا الأمر ونخطط لاعتماد تدابير وإجراءات تؤدي إلى حلول سريعة.

إن تعزيز مستويات الملاءة والسيولة هو ركيزة أساسية لضمان الاستقرار المالي واستدامة الأعمال، سواء للمؤسسات المصرفية أو الشركات.

 الملاءة (Solvency) تقيس القدرة على الوفاء بالالتزامات طويلة الأجل، بينما السيولة (Liquidity) تركز على القدرة على سداد الالتزامات قصيرة الأجل، والعمل بآليات مشتركة (للمؤسسات المالية والبنوك) بموجب بازل 3.

الشرط الثالث: الدمج المصرفي:

الدمج المصرفي هو اتحاد بنكين أو أكثر لتكوين كيان مالي واحد جديد أو اندماج بنك أصغر في آخر أكبر، وهذه خطوة استراتيجية يتم اللجوء لها لعلاج البنوك المتعثرة أو لمواجهة تحديات العولمة، ودعم البنوك التي تعد قادرة على سداد ديونها فقط، وطمأنة الجمهور بأن أموالهم آمنة، واستعادة ثقتهم في النظام المصرفي، والدمج المصرفي يهدف إلى:

●          تعزيز الملاءة المالي: دمج بنك ذو سيولة سلبية مع آخر ذو سيولة إيجابية لحمايته من الانهيار.

●          تحقيق اقتصاديات الحجم: خفض التكاليف وزيادة الربحية من خلال توسيع قاعدة الخدمات.

●          الامتثال التنظيمي: تلبية متطلبات رأس المال والسيولة، مثل معايير "بازل 3".

●          زيادة التنافسية: تعزيز القدرة على المنافسة في السوق وزيادة الحصة السوقية.

تاريخياً: بدأت تجارب الدمج المصرفي منذ القرن السابع عشر، وتنشط بشكل خاص في أوقات الأزمات المالية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

الشرط الرابع: تعزيز مستويات الإدارة والرقابة:

تعزيز مستويات الإدارة والرقابة يعد ركيزة أساسية لتطوير الأداء التنظيمي، تحقيق الشفافية، ومحاربة الفساد الإداري، ويهدف هذا التعزيز إلى ضمان كفاءة الأداء، وتبسيط الإجراءات، وتطبيق الحوكمة الرشيدة من خلال هيكل تنظيمي مناسب.

تأكيد القانون على الشفافية والمساءلة وإلزام البنوك بالخضوع لعمليات تفتيش وتدقيق صارمة لضمان استقرارها المالي حتى تتمكن من تفعيل نشاطها، وكان هذا النهج حاسما في إعادة بناء الثقة في النظام المصرفي وعبر:

1. آليات تعزيز الرقابة الإدارية: التحول الرقمي (الإدارة الإلكترونية) - تبني الرقابة الإيجابية - تقييم الأداء الدوري - تفعيل وحدات المراجعة الداخلية.

2. تطوير مستويات الإدارة: الحوكمة الرشيدة - إدارة المخاطر والأزمات - تنمية الموارد البشرية.

3. أهداف وفوائد تعزيز الرقابة والإدارة: رفع كفاءة الأداء - تعزيز الثقة - الانضباط والولاء - الاستباقية

4. ركائز نجاح النظام الرقابي: الرقابة الاستراتيجية - التواصل الفعال.

يمكن القول إن تعزيز الرقابة الإدارية لا يعني تقييد الموظفين، بل هو وسيلة تضمن تحقيق أهداف المنظمة بأعلى درجات الكفاءة والفعالية.

       ونؤكد أن الجهد الذي تبذله بعض البنوك وكذلك الجهود التي تقوم بها جمعية البنوك على صعيد التدريب هي في غاية الأهمية لرفع مستويات وكفاءة العمل المصرفي، ومحاولة توليد طاقات إدارية جديدة عوضا ًعن تلك التي هاجرت إلى الخارج تحت ضغط الحرب.

      وبذلك نشدد على أهمية تحسين مستويات الإدارة لدى البنوك ونكرر مرة أخرى على أهمية تحسين مستويات عمل قطاع الرقابة بالبنك المركزي، وعلى ضرورة تعزيزها عدداً وعدة ومحاولة مساعدتها على اجتذاب العناصر المسؤولة والقادرة على القيام بعملها خير قيام ومساعدتها ليس فقط على اجتذاب هذه العناصر، بل و-أيضاً- على الاحتفاظ بها وعلى حمايتها وتحصينها من الإغراءات.

 الشرط الخامس: عصرنة الجهاز المصرفي: (الاستفادة من التكنولوجيا والابتكار):

وذلك عبر إدخال التكنولوجيا الرقمية الحديثة (الصيرفة الإلكترونية) في العمليات البنكية، تحديث أنظمة الدفع والتحويل، وتعزيز البنية التحتية التكنولوجية، مما يرفع الكفاءة التنافسية ويوفر خدمات سريعة وآمنة للعملاء، يشمل أبرز خطوات العصرنة اعتماد الخدمات المصرفية الشاملة Core Banking وتطوير إدارة المخاطر.

ويوفر التقدم التكنولوجي فرصاً جديدة لإعادة بناء الثقة في البنوك والمؤسسات المالية، على سبيل المثال، يمكن لتقنية blockchain أن تعزز الشفافية والأمن في المعاملات المالية، مما يقلل من مخاطر الاحتيال والتلاعب، وبالمثل، يمكن للمنصات الرقمية أن توفر الوصول في الوقت الحقيقي إلى المعلومات المالية، وتمكين العملاء وزيادة ثقتهم في النظام، وأن تبني هذه التطورات التكنولوجية يمكن أن يظُهر الالتزام بتحديث الممارسات وتحسين تجربة العملاء.

الشرط السادس: خلق الحوافز والمناخات الملائمة لتطوير السوق المصرفية:

خلق الحوافز والمناخات الملائمة لتطوير السوق المصرفية هو: ركيزة أساسية لتحقيق الاقتصادي المستدام، حيث يعمل على تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو استثمارات منتجة، وإصلاحات مؤسسية، وحوافز نوعية لتشجيع الإدراج والاستثمار، حيث يؤكد القانون على الاستثمار في برامج التثقيف المالي، يمكن للبنوك والمؤسسات المالية تمكين الجمهور من اتخاذ قرارات مستنيرة، والتعامل مع تعقيدات النظام المالي، من خلال تثقيف الأفراد حول أهمية تنويع استثماراتهم، وإدارة الديون، والادخار للمستقبل وهذا يساعد في إعادة بناء الثقة ومنع الأزمات المستقبلية، وبشكل تفصيلي محصور:

1.حوافز الإدراج وتشجيع الشركات (التحول إلى مساهمة عامة): حزم تحفيزية - تسهيل الإجراءات - الإعفاءات الضريبية.

2.تهيئة المناخ الاستثماري والتنظيمي: تطوير الأطر القانونية - رفع كفاءة السوق - تنوع الأدوات المالية، ويجب أن يكون هناك تواصل مفتوح الذي سيعمل على تخفيف المخاوف، وغرس الشعور بالثقة في النظام المصرفي، وفي استعادة ثقة الجمهور؛ سيوفر منصة للحكومة للتواصل مع الناس، ومعالجة مخاوفهم بشكل مباشر.

3.تعزيز الحوافز غير المالية والتقنية: التطوير المهني - التحول الرقمي - نشر الوعي الادخاري.

الشرط السابع: الممارسة المسؤولة للسرية المصرفية: تعد السرية المصرفية ركيزة أساسية في العمل البنكي، وتهدف إلى حماية بيانات ومعلومات العملاء، وتعزيز الثقة في القطاع المالي.

 الممارسات المسؤولة للسرية المصرفية لا تعني الإخفاء المطلق؛ بل هي توازن دقيق بين حفظ الخصوصية والالتزام بالتشريعات من خلال:

1.         الالتزام المهني والقانوني (الحفاظ على السر المهني): كتمان المعلومات - شمولية السرية - المسؤولية الشخصية.

2.         إطار عمل إداري آمن: سياسات داخلية صارمة - حماية البيانات.

3.         رفع السرية بمسوغ قانوني (الاستثناءات المسؤولة): لا تعد السرية مطلقة، والممارسة المسؤولة تستوجب رفعها في حالات محددة، مثل: التحقيقات القضائية - الامتثال لـ قوانين مكافحة غسل الأموال - موافقة العميل.

4.         المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية: حماية المودعين -النزاهة: الاعتراف بالأسباب الجذرية في التقارير عن الممارسات غير الأخلاقية لبعض أو كل البنوك، مثل التداول من الداخل والإقراض الجشع؛ يساعد في توجيه الجهود الرامية إلى إعادة بناء الثقة.

ويؤكد القانون الانخراط بنشاط في مبادرات المسؤولية الاجتماعية من قبل البنوك، مثل: دعم المجتمعات المحلية، والاستثمار في المشاريع المستدامة، وتعزيز ممارسات الإقراض العادلة.

 تستطيع هذه المؤسسات إظهار التزامها بتحقيق الصالح العام، ومن خلال الحملات العامة والشراكات مع المنظمات ذات السمعة الطيبة سيساعد في تغيير التصور العام وإعادة بناء الثقة.

  باختصار، فإن الممارسة المسؤولة تعني: حماية سر العميل ما لم يتعارض ذلك مع القانون، أو المصلحة العامة والرقابة المالية.

 ويجب أيضاً أن يتضمن قانون الخدمات المصرفية الطارئة المقترح إعداده وإصداره:

1.         أحكام أساسية في قانون الخدمات المصرفية الطارئة: أن يتم تقديم دعم إضافي للبنوك المحتاجة، وحماية العملة، وتقديم القروض بدون فوائد للبنوك القادرة على الوفاء بالتزاماتها، مما يمكنها من تلبية طلبات السحب، وتحقيق الاستقرار في عملياتها، وهذا الشرط حاسما ًفي توفير السيولة ومنع الانهيار الكامل للنظام المصرفي.

2.         متطلبات رأس المال والتدقيق: سيقدم القانون متطلبات رأسمالية أكثر صرامة للبنوك؛ مما يضمن احتفاظها باحتياطيات كافية لتغطية الخسائر المحتملة. وبالإضافة إلى ذلك: فرضت عمليات تدقيق منتظمة للبنوك لتقييم صحتها المالية وضمان الامتثال للوائح الجديدة. ويهدف القانون من خلال فرض هذه الإجراءات إلى تعزيز الشفافية وتعزيز الاستقرار داخل القطاع المصرفي.

3.         متطلبات رأس المال وإدارة المخاطر: سيؤدي القانون إلى إنشاء متطلبات رأس المال للبنوك. وكان لزاماً على البنوك أن تحافظ على مستوى معين من رأس المال نسبة إلى أصولها؛ لضمان حصولها سيادة كافية لاستيعاب الخسائر، بالإضافة إلى ذلك، يتبني ممارسات أفضل لإدارة المخاطر لتحديد المخاطر المحتملة والتخفيف منها، وتهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز الاستقرار المالي من خلال ضمان حصول البنوك على الموارد اللازمة لمواجهة الانكماش الاقتصادي.

رد فعل السوق: سينعكس التأثير المباشر لقانون الخدمات المصرفية الطارئة في سوق العمل بتجدد ثقة المستثمرين في استقرار النظام المصرفي.

النفوذ الدولي: سيؤثر قانون الخدمات المصرفية الطارئة تأثيراً كبيراً على السياسات المالية المحلية والعالمية، وكان نجاحها في استعادة ثقة الجمهور وتحقيق استقرار النظام المصرفي وسيكون نموذجاً تحتذيه البلدان الأخرى التي تواجه أزمات مماثلة، ويكون العمل على التنسيق الدولي للسياسات المالية لمنع الأزمات في المستقبل.

التعافي الاقتصادي وتأثيره على المدى الطويل: لا يمكن التقليل من مساهمة قانون الخدمات المصرفية الطارئة في تعزيز ثقة الجمهور، لأنه سوف يرسي الأساس لجهود التعافي الاقتصادي اللاحقة، ومن خلال تحقيق الاستقرار في النظام المصرفي واستعادة الثقة، سيلعب القانون دوراً محورياً في تحفيز النشاط الاقتصادي، وسيمهد الطريق لسياسات الصفقة الجديدة اللاحقة، والتي كانت تهدف إلى توفير الإغاثة والتعافي والإصلاح، ومن الممكن رؤية إرث القانون مستقبلاً، حيث سينشئ إطاراً طموح للتدخل الحكومي في أوقات الأزمات المالية، وسيسلط الضوء على أهمية الحفاظ على ثقة الجمهور في النظام المصرفي.

على الرغم من الاختلافات في السببية، فقد أدت الأزمة إلى فقدان ثقة الجمهور في النظام المصرفي، مما أدى إلى انتشار الذعر وهروب البنوك.

 كما أن الإجراء السريع في إخراج وإصدار قانون الخدمات المصرفية الطارئة لاستعادة ثقة الجمهور، ومن الممكن أن يقدم دروساً قيمة لصناع القرار السياسي اليوم.

 

*عضو لجنة البناء التنموي – كاك بنك

 

المراجع

-           دور شبكة الأمان المالي في تنمية الثقة في الجهاز المصرفي- خليل غالب جبر- المعهد العالي للدراسات المحاسبية والمالية /جامعة بغداد- 2022م

-           استعادة الثقة بالقطاع المصرفيّ - د. خلدون عبد الصمد – صحيفة النهار العربي – 2025م.

-           دراسة الاندماج المصرفي وموقع البنوك الجزائرية منه المنشورة في ASJP.

-           //www.omandaily.om

 

      

جمعية البنوك اليمنية   جمعية البنوك اليمنية

رابط مختصر:
UP