مقابلات ومقالات

  • شارك:

التحول الرقمي التنموي: البنوك بين مطرقة الفجوة التمويلية وسندان السيادة الرقمية


جمعية البنوك اليمنية - صنعاء     بتاريخ: 2026/08/05

 

عبدالرحمن أحمد الحكيم*

كفاءة حلول الطاقة البديلة تتطلب دمجها بالذكاء الاصطناعي وإيجاد نماذج تمويل مبتكرة من البنوك تضمن عوائد مستدامة

البنوك ركيزة أساسية لدعم التحول نحو نظم طاقة مستدامة عبر تمويل حلول الذكاء الاصطناعي التي تعزز كفاءة الاستهلاك

استمرار الفجوة التمويلية الحالية وتأخر الاستثمار في تكنولوجيا الطاقة الذكية يحرم الاقتصاد اليمني من مكاسب تنموية هائلة

يمكن للذكاء الاصطناعي ترشيد استهلاك الطاقة في المباني والمصانع والشبكات الكهربائية بنسبة تصل إلى 30%

يمكن لمؤسسات التمويل تحويل الإمكانات التقنية الواعدة إلى مشاريع تجارية مدرة للدخل وابتكار منتجات مالية تحقق عوائد ربحية ممتازة

في عالم اليوم المتسارع، حيث تتداخل التكنولوجيا بكل تفاصيل الحياة، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في كل شيء حولنا: من التطبيقات التي نستخدمها على هواتفنا، إلى الأنظمة التي تدير الشركات والمصانع وكل جوانب حياتنا. لكن ما قد لا يدركه الكثيرون أن تشغيل هذه الأنظمة الذكية يتطلب كميات هائلة من الطاقة.

في مرحلة تدريب النماذج الذكية، تُستخدم خوادم ضخمة تعمل لأيام أو أسابيع متواصلة لمعالجة مليارات البيانات، وتستهلك طاقة تعادل استهلاك مئات المنازل في عام كامل. وحتى بعد التدريب، فإن تشغيل هذه النماذج لا يقتصر على الإجابة عن الاستفسارات النصية فقط، بل يمتد إلى مجالات حيوية متعددة، كتحليل البيانات المالية لحظياً لكشف الاحتيال، وإدارة سلاسل التوريد والتنبؤ بالطلب، وتشغيل أنظمة المدن الذكية، والتحليل الطبي، وغيرها من التطبيقات التي تتطلب معالجة فورية ومستمرة عبر خوادم ضخمة تستهلك كهرباء تعادل استهلاك مدن بأكملها.

وهنا قد يتساءل القارئ: أليس من الأسهل والأرخص أن نستخدم خدمات الذكاء الاصطناعي الجاهزة مثل ChatGPT أو DeepSeek بدلاً من بناء بنيتنا التحتية الخاصة؟ الإجابة أن الاعتماد على هذه الخدمات الخارجية يعني أن بياناتنا، وقراراتنا، وتقنياتنا، بل وسيادتنا الرقمية كلها في أيدي الآخرين. فأنت حين تستخدم خدمة خارجية، فإنك تدفع ثمناً باهظاً ليس فقط بالعملة، بل بفقدان السيطرة على بياناتك الحساسة، وارتباط استمرارية عملك باستقرار خدمات طرف ثالث، وغياب القدرة على تخصيص الحلول لتناسب واقعك المحلي. أما بناء البنية التحتية الوطنية للذكاء الاصطناعي، فهو استثمار في السيادة، وفي القدرة على اتخاذ القرار، وفي بناء منتجات وطنية تلبي احتياجاتنا الخاصة، وتُسوَّق إقليمياً ودولياً، مما يحولنا من مستهلكين للتكنولوجيا إلى منتجين لها.

وهنا تبرز معادلة جديدة لم تعد خافية على أحدالذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة، والطاقة تحتاج تمويلاً، والتمويل هو مفتاح التحول، والتحول هو بوابة السيادة الرقمية.

ولعل القارئ يتساءل: كيف يستهلك الذكاء الاصطناعي كل هذه الطاقة؟ الإجابة ببساطة أن تدريب نموذج ذكاء اصطناعي واحد، مثل تلك المستخدمة في الترجمة الفورية أو تحليل الصور، قد يستهلك طاقة تعادل استهلاك مئات المنازل في عام كامل. ولكن الأجمل أن الذكاء الاصطناعي نفسه هو أيضاً الحل، إذ يمكنه ترشيد استهلاك الطاقة في المباني والمصانع والشبكات الكهربائية بنسبة تصل إلى 30%، مما يخلق دورة متكاملة من الاستهلاك والترشيد والاستدامة.

وفي اليمن، حيث تتشابك التحديات وتتداخل الأزمات، تصبح هذه المعادلة ليست مجرد نظرية اقتصادية، بل قضية وجودية تمس حياة كل يمني ومستقبل كل مؤسسة، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة البلاد على امتلاك زمام مستقبلها الرقمي.

انطلقنا في رحلة فكرية سابقة بكشف "الضباب الرقميالذي يعوق المؤسسات، ثم واصلنا المسار بوضع "خريطة الكنزلاكتشاف القدرات المحلية المدفونة، واليوم نضع البنوك ومؤسسات التمويل في صلب المعادلة كممول رئيسي وقاطرة أساسية للسيادة الرقمية. فالصيرفة لم تعد مجرد وسيط مالي، بل أصبحت شريكاً استراتيجياً في بناء الاقتصاد المعرفي وصناعة المستقبل الرقمي.

يشهد اليمن اليوم تحديات غير مسبوقة في قطاعي الطاقة والتمويل، حيث يعاني من انقطاعات كهربائية طويلة تصل إلى 20 ساعة يومياً، واعتماد شبه كامل على مولدات الديزل والطاقة الشمسية الهجينة، في وقت تواجه فيه مؤسسات التمويل فجوة هائلة جراء ارتفاع كلفة رأس المال إلى 24.84%، وتراجع القدرة الشرائية، وتشبع الخدمات التقليدية، وتعليق التنمية، مما يحد من قدرتها على تمويل الحلول المبتكرة. في هذا السياق، يبرز دور البنوك كركيزة أساسية لدعم التحول نحو نظم طاقة مستدامة عبر تمويل حلول الذكاء الاصطناعي المُوزَّع (Edge AI) التي تعزز كفاءة الاستهلاك وتطيل عمر البنية التحتية وتقلل الاعتماد على الاستيراد، مما يخلق قيمة مضافة على المستويات التشغيلية والاقتصادية والسيادية.

تهدف هذه المقالة إلى استكشاف كيف يمكن لمؤسسات التمويل المحلية أن تبتكر منتجات مالية وطنية تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الطاقة، والتحول التدريجي من التبعية التقنية إلى بناء قدرات إنتاجية ذاتية، مع التركيز على تحقيق السيادة الرقمية كهدف استراتيجي ووطني. كما تسلط المقالة الضوء على الأثر الاقتصادي المُتوقَّع لهذه الحلول، والذي يشمل زيادة الناتج المحلي الإجمالي من خلال تحفيز النشاط الاقتصادي وخفض تكاليف التشغيل، وتوفير مئات الملايين من الدولارات سنوياً من كلفة استيراد الوقود، وخلق آلاف الفرص الوظيفية المستدامة للشباب والخريجين، وتطوير منتجات رقمية وطنية قابلة للتسويق محلياً ودولياً، مما يصب في مصلحة الاستقلال التقني والتمكين الاقتصادي للبلاد. وتستعرض الورقة نماذج تمويلية مبتكرة، كالصكوك الخضراGreen Sukuk التي أصدرها البنك الإسلامي للتنمية بقيمة 500 مليون يورو في أكتوبر 2025، وحظيت باكتتاب تجاوز 2.6 مليار يورو، إضافة إلى نموذج تمويل الطاقة كخدمة الذي أثبت جدواه عالمياً، وتقدم توصيات عملية للبنوك وصناع القرار لتحويل هذه الرؤية من طموح استراتيجي إلى واقع ملموس.

مفهوم السيادة الرقمية

قبل الخوض في المربعات التقنية والتمويلية، لا بد من تحديد الغاية الأسمى الكامنة وراء هذه الجهود. وهي أن الهدف لا يقتصر على مجرد ترشيد كفاءة الطاقة أو ضخ السيولة، بل يمتد لترسيخ "السيادة الرقمية". هذه السيادة تعني ببساطة امتلاك المعرفة، والقدرات الوطنية، والبنية التحتية اللازمة لبناء المستقبل التكنولوجي محلياً أي امتلاك التكنولوجيا، بدلاً من التموقع في خانة المستهلك الدائم لمنتجات أجنبية جاهزة قد لا تتوافق مع الواقع المحلي المعقد.

في المشهد الدولي المعاصر، تتماهى السيادة الرقمية مع السيادة الاقتصادية والسياسية، حيث يتحول استيراد الحلول التقنية العمياء إلى شكل من أشكال التبعية المستترة. وهنا يبرز الدور المحوري للبنوك والمؤسسات المالية؛ فهي ليست مجرد قنوات لمنح الائتمان، بل هي شريك استراتيجي في توطين التكنولوجيا وخلق منتجات رقمية محلية الصنع تعزز الاستقلال الاقتصادي. يعيش اليمن اليوم مفارقة واضحة، حيث يقابل معدلات إشعاع شمسي تتجاوز 3000 ساعة سنوياً بيئة تشغيلية تعاني من عجز حاد في الطاقة. وتأتي هذه الورقة لرسم خارطة طريق عملية تحول هذه التحديات إلى فرص استثمارية من خلال توليد مثلث التنمية المتمثل في الطاقة الذكية، التقنية المحلية، والتمويل المرن.

ولأن التحول يتطلب قيادة واعية، فإن نجاح هذه الرؤية يتوقف على وجود ربّانٍ يمتلك الشجاعة لخوض تجارب جديدة، ومنارةٍ مؤسسية تُنير الطريق للمستثمرين، وإرادةٍ وطنية تدرك أن المستقبل يُبنى اليوم، لا يُؤجل إلى غدٍ مجهول. فالتحول الرقمي التنموي ليس مشروعاً تقنياً بحتاً، بل هو رحلة مؤسسية شاملة تتطلب تنسيقاً حقيقياً بين القطاع المصرفي، والقطاع التقني، وصناع القرار، لضمان أن كل مبادرة تنطلق من رؤية موحدة تخدم الهدف الأوسع للمؤسسة والوطن.

 المحور الأول: تعقيدات مشهد الطاقة المحلي والبديل الرقمي

عند تشريح أزمة الطاقة في اليمن، يتضح أنها ليست مجرد انقطاعات عابرة، بل هي منظومة تشغيلية مجزأة تعتمد على مصادر متباينة وغير مستقرة. فالكهرباء العامة تعاني من عجز هيكلي يقدر بأكثر من 860 مليار ريال سنوياً، مع فترات انقطاع تصل إلى 20 ساعة يومياً، ناهيك عن تذبذب مستمر في الجهد يهدد سلامة الأجهزة التقنية الحساسة. وفي المقابل، تبرز الكهرباء التجارية كبديل مكلف يفرض رسوماً مرتفعة للغاية تنهك ميزانيات الشركات وتحد من فرص التوسع الاقتصادي.

هذا العجز دفع المؤسسات والمنشآت الحيوية إلى الاعتماد الواسع على المولدات الخاصة، وهو حل يفرض كلفة اقتصادية باهظة؛ إذ يستنزف استيراد وقود الديزل مبالغ طائلة تقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن تجارة المشتقات النفطية في اليمن تدر ما بين 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنوياً، مما يشكل ضغطاً خانقاً على احتياطيات العملة الصعبة ويضعف قيمة الريال اليمني. ورغم أن الطاقة الشمسية تمثل الأمل الحقيقي والمستدام بفضل معدلات إشعاع تتراوح بين 18 إلى 26 ميجاجول/متر مربع يومياً، إلا أن هذه الطفرة تصطدم بكلفة أولية مرتفعة، وضعف في كفاءة التخزين والإنتاج نتيجة غياب النظم الذكية في الإدارة والصيانة، فضلاً عن تحديات تدهور كفاءة الألواح في المناخ الحار.

إن هذه المعضلة التشغيلية تؤكد أن حلول الطاقة البديلة لن تصل إلى كفاءتها القصوى بدون دمجها بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب نموذجاً تمويلياً مبتكراً من المصارف يضمن عوائد مستدامة ويحمي الأصول التشغيلية للبلاد. فبدون هذا التكامل، ستظل المؤسسات تعاني من ارتفاع فواتير الطاقة، وستظل فرص التحول الرقمي رهينة بتكاليف تشغيلية لا تطاق. وهذا التحدي هو بالضبط ما تبرز معه الحاجة الماسة لدور البنوك ومؤسسات التمويل والمحافظ الرقمية كشريك استراتيجي في بناء مستقبل طاقوي ورقمي مستدام.

 المحور الثاني: الذكاء الاصطناعي المُوزَّع (Edge AI) كمحرك للكفاءة والسيادة الرقمية

قبل أن نخوض في التفاصيل التقنية، دعنا نوضح أولاً ما نقصده بـ "الذكاء الاصطناعي المُوزَّع"، وهو ما يُعرف عالمياً بـ Edge AI. الفكرة ببساطة هي أن ننقل قدرات الذكاء الاصطناعي من مراكز البيانات البعيدة إلى الأجهزة المحلية نفسها مثل وحدات التحكم في الأنظمة الشمسية، أو أجهزة القياس الذكية، أو العواكس الكهربائية. بمعنى آخر، بدلاً من إرسال البيانات إلى خوادم بعيدة لتحليلها واتخاذ القرار، يتم تنفيذ كل ذلك هنا والآن على الجهاز نفسه. وهذا يشبه الفرق بين استشارة خبير عن بُعد، وبين أن يكون الخبير موجوداً معك في المكان ذاته ليتخذ القرار فوراً.

ولماذا هذا مهم في سياق اليمن؟ لأن الاعتماد على الأنظمة الموزعة البعيدة يتطلب اتصالاً مستقراً بالإنترنت وسرعات عالية، وهما أحد المعضلات في بيئتنا المحلية حيث قد لا تتجاوز سرعة التحميل في المعدل 29.8 ميجابت في الثانية، وتنقطع الكهرباء لساعات طويلة ناهيك عن التكلفة.

أما الذكاء الاصطناعي المُوزَّع فيمكن ان يعمل محلياً، مما يعني أنه يستمر في أداء مهامه حتى في حال انقطاع الإنترنت أو انخفاض جودته، وهو ما يضمن استمرارية الخدمة ويقلل الاعتماد على البنية التحتية الخارجية. وهذا بالضبط ما يعزز السيادة الرقمية؛ لأننا حين نكون قادرين على تشغيل أنظمتنا الذكية باستقلالية عن الشبكات الخارجية، فإننا نمتلك زمام قراراتنا التكنولوجية بأيدينا.

يمثل الذكاء الاصطناعي أداة ذات تأثير مزدوج في قطاع الطاقة. فبينما تستهلك النماذج الضخمة ومراكز البيانات الضخمة كميات هائلة من الكهرباء عالمياً، يعمل الذكاء الاصطناعي من جانب آخر كأداة رئيسية لترشيد الاستهلاك وتحسين الأداء التشغيلي. وفي البيئة اليمنية التي تعاني من بنية تحتية رقمية متواضعة، يبرز الذكاء الاصطناعي المُوزَّع كخيار تقني حتمي ومثالي. فبدلاً من إرسال البيانات إلى مراكز بعيدة للمعالجة، يتم تنفيذها محلياً داخل الوحدات الذكية نفسها، مما يقلل الاعتماد على الإنترنت ويُسرع الاستجابة ويوفر الطاقة. بل يمكن توحيد الرقعة الرقمية المبعثرة لمراكز البيانات للشركات المنشئات التي تملك بنيه تحتية، كمشروع وطني يمكن من تأسيس اول نموذج ذكاء اصطناعي.

تتجلى الفوائد الاستراتيجية لهذا التوجه في ثلاثة أبعاد رئيسية: أولها استقلالية التشغيل التي تتيح للنظم الذكية اتخاذ قرارات فورية بمعزل عن استقرار شبكة الإنترنت، وثانيها تقليل زمن الاستجابة وتوفير الطاقة حيث تتم العمليات الحسابية محلياً في أجزاء من الثانية مما يلغي الهدر الناتج عن الاتصال المستمر، وثالثها حماية البيانات وتوطين المعرفة داخل الحدود التشغيلية للمؤسسة، وهذا البعد الأخير هو ما يعزز السيادة الرقمية مباشرة، فحين تكون القدرات الحاسوبية والذكاء الاصطناعي محلية، فإننا نقلل من اعتمادنا على شركات أجنبية لتشغيل أنظمتنا، ونبني قدراتنا الوطنية، ونحمي بياناتنا من التسريب أو الاستغلال.

ويمكن إسقاط هذه التقنية على الواقع اليمني من خلال نماذج تطبيقية مبتكرة؛ ففي قطاع الاتصالات، يمكن لوحدات الذكاء الاصطناعي المُوزَّع مراقبة أبراج التغطية وضبط استهلاك الطاقة ديناميكياً استناداً إلى حركة مرور المكالمات والبيانات المتوقعة، مما يقلل كلفة التشغيل والاعتماد على الديزل. وعلى مستوى المنازل والمنشآت، تبرز أنظمة الإدارة الذكية للبطاريات التي تتعلم أنماط الاستهلاك اليومي وتقوم بجدولة عمليات الشحن والتفريغ، مما يطيل عمر البطاريات الافتراضي بنسبة تصل إلى 40% ويخفض الهدر المالي الموجه للاستبدال الدوري.

يضاف إلى ذلك دور هذه التقنية في تفعيل الصيانة التنبؤية للألواح الشمسية عبر تحليل معطيات الطقس محلياً وتعديل زوايا الألواح تلقائياً لزيادة الامتصاص بنسبة تصل إلى 30%، فضلاً عن دورها الحاسم في إدارة الشبكات المصغرة بالمناطق النائية لضمان استقرار الجهد والتردد. ومن الأمثلة العملية حلول ذكاء اصطناعي تمتلك القدرة على التنبؤ بحركة السحب والإشعاع الشمسي للساعات القادمة، مما يسمح بتعديل زوايا الألواح قبل وصول السحب وزيادة امتصاص الطاقة. وفي المباني الذكية، يمكن للأنظمة مراقبة استهلاك الطاقة لكل جهاز وتعلم أنماط الاستخدام، مثل تعلُّم أن المبنى فارغ في ساعات معينة، مما يدفعها لتقليل استهلاك التكييف والإضاءة تلقائياً خلال هذه الساعات، وبالتالي خفض فواتير الطاقة بنسبة قد تصل إلى 30%. وفي المناطق النائية، يمكن للشبكات الصغرى التي تعتمد على الطاقة الشمسية والبطاريات أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي المُوزَّع لتوزيع الأحمال بين مصادر الطاقة المختلفة والتنبؤ بفترات نقص الطاقة، مما يضمن توفير كهرباء مستقرة وبأسعار معقولة للمجتمعات المحرومة.

 المحور الثالث: الهندسة المالية وتحويل الابتكار التقني إلى أوعية استثمارية

تستطيع المصارف ومؤسسات التمويل تحويل هذه الإمكانيات التقنية الواعدة إلى مشاريع تجارية مدرة للدخل، عبر ابتكار منتجات مالية تحقق عوائد ربحية ممتازة وتدفع في الوقت ذاته قاطرة التنمية المستدامة. فكل تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المُوزَّع التي استعرضناها هو مشروع استثماري بحد ذاته، يحتاج إلى تمويل، ويمكن تسويقه، ويحقق عوائد على عدة مستويات: عائد على البنك، وأثر اقتصادي وطني، ودعم للشباب ورواد الأعمال.

أول هذه المنتجات هو "قرض الطاقة الذكية" الموجه لشركات تقنية المعلومات والاتصالات، والذي يهدف لتمويل تركيب وحدات المعالجة المحلية على الأبراج والشبكات؛ حيث تشير التوقعات التشغيلية إلى أن هذا الاستثمار قادر على تحقيق عائد سنوي يتراوح بين 15% إلى 20%، مع فترة استرداد لرأس المال تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، مدفوعة بالوفر الكبير في فواتير الوقود. هذا النموذج يشجع شركات الاتصالات على خفض تكاليفها التشغيلية، ويقلل من استيراد الديزل، ويعزز السيادة الرقمية من خلال توطين القدرات التقنية.

المنتج الثاني يتمثل في "تمويل نظم التخزين الذكية" من خلال قروض ميسرة طويلة الأجل مخصصة للقطاعين السكني والتجاري الصغير، لتمويل عواكس وبطاريات مدارة بالذكاء الاصطناعي المُوزَّع او حلول الذكاء الاصطناعي الداعمة لذلك كجزء اساسي من توطين التكنولوجيا، حيث يسترد البنك استثماره عبر أقساط شهرية مدعومة جزئياً من القيمة المالية التي يتم توفيرها من فواتير الطاقة التقليدية، بعائد متوقع يقارب 18% سنوياً. هذا النموذج يخلق سوقاً جديداً للتمويل، ويفتح باباً للشركات الناشئة لتطوير هذه الحلول محلياً، ويساهم في رفع مستوى الوعي بأهمية كفاءة الطاقة بين المواطنين.

أما المنتج الثالث فهو "تمويل المنشآت والمباني الذكية" الذي يستهدف المستشفيات والفنادق والمجمعات التجارية الكبرى لتمويل حزم التحكم الذكي في الطاقة، وهو قطاع واعد يحقق عوائد استثمارية سريعة نظراً لقدرة التقنية على خفض الهدر في هذه القطاعات بنسبة تتراوح بين 20-30%. هذا المنتج يخدم قطاعات حيوية تساهم بشكل مباشر في الاقتصاد الوطني، ويخفف من أعبائها التشغيلية، مما ينعكس إيجاباً على أسعار خدماتها للمواطنين.

ولتوفير السيولة اللازمة لهذه الحزم التمويلية الضخمة، يمكن للمصارف الإسلامية إصدار "الصكوك الخضراء" التي تمثل أداة مالية مجربة دولياً نجحت عبرها مؤسسات كبرى وتوجيهها نحو قطاعات الطاقة النظيفة المدعومة برأس المال المعرفي المبتكر. هذا النموذج يجذب استثمارات محلية ودولية، ويعزز السيادة الرقمية من خلال تمويل حلول وطنية بدلاً من استيرادها.

كما يمكن للبنوك اعتماد نموذج "تمويل الطاقة كخدمة (Energy as a Service)"، حيث تقوم بتمويل تركيب الأنظمة الشمسية مع وحدات الذكاء الاصطناعي المُوزَّع، وتسترد استثمارها من خلال حصة من التوفير في فواتير الطاقة، مما يقلل من المخاطر على العميل ويضمن عائداً مستداماً للبنك. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للبنوك تقديم "تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة" للشركات الناشئة في مجال الطاقة والذكاء الاصطناعي، مما يخلق فرص عمل ويطور منتجات محلية ويعزز السيادة الرقمية.

 المحور الرابع: إدارة المخاطر، الكلفة الاقتصادية، والفرص الضائعة

لا يمكن إنكار أن البيئة الاستثمارية في اليمن تواجه مخاطر نظامية معقدة؛ تشمل عدم الاستقرار السياسي، ومخاطر الائتمان الناجمة عن ضعف القدرة الشرائية، بالإضافة إلى تذبذب أسعار الصرف وصعوبة التخطيط طويل الأجل. هذه العوامل المجتمعة رفعت كلفة رأس المال في البلاد إلى مستويات قياسية بلغت 24.84 %، وهي كلفة تفوق خمسة أضعاف كلفة رأس المال في أسواق مستقرة مثل الإمارات العربية المتحدة التي تسجل 4.67 %، مما يعني أن تكلفة تمويل مشاريع الطاقة في اليمن أعلى بخمس مرات من الدول المستقرة. وتشير الدراسات الاقتصادية المرتبطة بقطاع الطاقة إلى أن زيادة المخاطر بنسبة 1 % فقط ترفع كلفة الطاقة المنتجة بنحو 180 %، في حين أن خفض هذه المخاطر إلى النصف كفيل بتقليص تكلفة الإنتاج بنسبة 40 %

هذا الواقع يفرض على البنوك تبني استراتيجيات حديثة لتخفيف المخاطر بدلاً من الانكفاء؛ وذلك عبر تفعيل الضمانات الدولية والمشتركة بالاستفادة من نوافذ وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (MIGA) وشبكات الأمان المخصصة للقطاع الخاص التابعة للبنك الدولي. كما تبرز أهمية الشراكة مع المنظمات المانحة لتأسيس صناديق ضمان الدفع وآليات التمويل الميسر ذات فترات السماح الممتدة، على غرار مشروع الاستجابة الطارئة للوصول إلى الكهرباء في اليمن والمدعوم دولياً بـ 80 مليون دولار، والذي نجح في توفير تمويل للقطاع الخاص لتقديم قروض ميسرة للأسر لشراء أنظمة الطاقة الشمسية، مما ساهم في نمو سوق الطاقة الشمسية في اليمن بشكل كبير.

وبالتالي فإن استمرار الفجوة التمويلية الحالية وتأخر الاستثمار في تكنولوجيا الطاقة الذكية يحرم الاقتصاد اليمني من مكاسب تنموية هائلة. وتمثل هذه الفرص الضائعة في حرمان البلاد من وفر مباشر يتراوح بين 500 إلى 800 مليون دولار سنوياً من كلفة استيراد مشتقات الوقود، وضياع نمو محقق في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة تصل إلى 500 مليون دولار نتيجة استقرار الأعمال وتطوير حلول برمجية وطنية قابلة للتسويق. كما يتسبب هذا الركود التمويلي في خسارة فرصة توليد ما بين 10,000 إلى 20,000 فرصة عمل مستدامة للخريجين والمهندسين في مجالات التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي، ناهيك عن استمرار النزيف المستمر للنقد الأجنبي وضعف استقرار العملة المحلية.

وهنا لا بد من التذكير بأن استمرار هذه الفجوة يعني أننا نخسر سنوياً ما يكفي لبناء أكثر من 500 مدرسة أو مستشفى، وذلك بسبب الكلفة الباهظة للطاقة التقليدية التي تلتهم ميزانياتنا بلا عائد تنموي حقيقي. فالمبالغ الطائلة التي تُنفق على استيراد الوقود وتشغيل المولدات كانت قادرة، لو استثمرت بشكل صحيح، على بناء بنية تحتية تعليمية وصحية وتحويلية تغير واقع الملايين من اليمنيين.

 

الخاتمة والتوصيات

يقف القطاع المصرفي والتنموي في اليمن اليوم أمام مسارين لا ثالث لهما؛ إما الاستسلام لواقع الفجوة التمويلية المتسعة وتحمل الكلفة الاقتصادية والسيادية الباهظة للتبعية التقنية، أو التحرك الشجاع نحو قيادة التحول الاقتصادي الرقمي وصياغة منتجات مالية وعملية ترتكز على التكنولوجيا والابتكار. إن السيادة التكنولوجية والاقتصادية لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي خيار وجودي لبناء القدرات وتأمين مستقبل الأجيال.

ولتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع، تُوصى البنوك ومؤسسات التمويل والمحافظ الرقمية بالآتي:

أولاً: صياغة حزم تمويلية مرنة ومدمجة تجمع بين تمويل الأصول المادية (كالمنظومات الشمسية) والأصول المعرفية البرمجية (كأنظمة الذكاء الاصطناعي المُوزَّع) وتمويل حلول الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة تقديم فترات سماح مناسبة تتناسب مع طبيعة هذه المشاريع.

ثانياً: تفعيل الشراكات البينية والمستدامة بين المصارف، وشركات الاتصالات، وشركات المحافظ الرقمية، والشركات التقنية الناشئة، والمؤسسات الدولية، لضمان حوكمة هذه المشروعات وجودة تشغيلها، والاستفادة من الخبرات الدولية في نقل المعرفة وتوطينها.

 ثالثاً: التوجه الجاد نحو إصدار الصكوك الاستثمارية الإسلامية الخضراء كأداة مالية قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والدولية وتوجيهها نحو مشروعات الطاقة الذكية.

رابعاً: الاستثمار في رفع كفاءة الكوادر المصرفية وتطوير وحدات التقييم الفني داخل البنوك لتصبح قادرة على دراسة جدوى المشاريع التكنولوجية المتقدمة وتحليل مخاطرها بدقة واحترافية، مع تعزيز الوعي بأهمية التمويل الأخضر والرقمي.

خامساً: العمل مع الحكومة والجهات التشريعية لتطوير سياسات داعمة لهذه الحلول، تشمل حوافز ضريبية، وتسهيلات جمركية، وإطاراً قانونياً واضحاً لبيع الكهرباء من المنتجين المستقلين، مما يخلق بيئة تمكينية جاذبة للاستثمار.

الخلاصة:

وتبقى الخلاصة هي أن أعظم الاستثمارات جدوى ليست تلك التي تكتفي بشراء الآلات والتقنيات الجاهزة، بل هي التي تستثمر في هندسة العقول وبناء القدرات الإنتاجية الوطنية؛ لتصنع تكنولوجيتها برؤية محلية ومستقلة.

وهنا تبرز أهمية توجيه الدعوة للبنوك ومؤسسات التمويل والمحافظ الرقمية لاغتنام فرصة الاستثمار في حلول الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، وأن تكون شريكة فاعلة في بناء السيادة الرقمية، وصنع مستقبل اليمن الرقمي والاقتصادي.

 

*استشاري وباحث في التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية (الفنتك)

 

جمعية البنوك اليمنية   جمعية البنوك اليمنية

رابط مختصر:
UP