مقابلات ومقالات

  • شارك:

أهمية مرونة التسويق المصرفي لمواجهة الأزمات


جمعية البنوك اليمنية - صنعاء     بتاريخ: 2026/06/02

 

محمد علي عطية *

- في ظل الأزمات تزداد أهمية التسويق الرقمي عبر التطبيقات البنكية والقنوات منخفضة التكلفة وسريعة الوصول للعملاء

- نجاح الاستراتيجية التسويقية للمؤسسات المصرفية خلال الأزمات يعتمد بدرجة كبيرة على المرونة والقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات

- يتميز التسويق الرقمي خلال الأزمات بقدرته على إيصال رسائل البنوك الهادفة لطمأنة العملاء بصورة فورية ومباشرة

- التقليص العشوائي للأنشطة التسويقية قد يؤدي إلى فقدان الحضور الذهني للبنك وتراجع قدرته التنافسية

يعمل القطاع المصرفي اليمني حالياً في بيئة شديدة التقلب بفعل الأزمات المتعاقبة، الأمر الذي جعل استراتيجيات التسويق المصرفي أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف والاستمرار، فالأزمات لم تعد أحداثًا استثنائية عابرة، بل أصبحت جزءًا من الواقع التشغيلي الذي يفرض على البنوك إعادة صياغة أولوياتها التسويقية وأساليب تواصلها مع العملاء، وفي ظل هذه الظروف، تبرز أهمية بناء استراتيجية تسويق مرنة قادرة على الحفاظ على الثقة، وإدارة المخاطر، واستثمار الفرص التي قد تولدها الأزمات ذاتها.

أزمات داخلية أم خارجية

تختلف الاستراتيجيات التسويقية باختلاف طبيعة الأزمة ذاتها. فإذا كانت الأزمة خارج القطاع المصرفي لكنها مؤثرة عليه، مثل الأزمات الاقتصادية العامة أو الاضطرابات السياسية أو الكوارث الصحية، فإن الأنشطة التسويقية للبنوك تركز على التالي:

- طمأنة العملاء وتعزيز صورة المؤسسة المستقرة والقادرة على الاستمرار.

- بناء الثقة وتأكيد الملاءة والاستمرارية وتوفير الخدمات البديلة، خصوصًا الرقمية منها.

- الرسائل الإعلامية التي تبرز دور البنك في دعم الاقتصاد والمجتمع والعملاء خلال الظروف الصعبة.

أما إذا كانت الأزمة داخل القطاع المصرفي نفسه، كأزمات السيولة أو فقدان الثقة أو تعثر بعض المؤسسات المالية، فإن التسويق يركز على التالي:

- التحول من مجرد ترويج للخدمات إلى إدارة السمعة المؤسسية وحماية الثقة العامة.

- التركيز على الشفافية كعنصر حاسم في إدارة الأزمة.

- تكون الرسائل التسويقية واقعية ومتزنة ومدعومة بإجراءات عملية تعكس قدرة البنك على إدارة الأزمة.

- التنسيق العالي بين الإدارات التنفيذية وإدارة المخاطر والعلاقات العامة والتسويق، لأن أي رسالة غير مدروسة قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتفاقم حالة القلق لدى العملاء.

المحافظة على العملاء أم اكتساب عملاء جدد

أولى القضايا الجوهرية التي تفرض نفسها خلال الأزمات تتمثل في تحديد الأولوية بين جذب عملاء جدد والمحافظة على العملاء الحاليين.

 وفي هذا السياق، تميل المؤسسات المصرفية الناجحة إلى إعطاء الأولوية للحفاظ على قاعدة العملاء الحالية، باعتبار أن العميل القائم يمثل أصلاً استراتيجياً تم بناؤه عبر سنوات من الثقة والتعاملات والخدمات، فتكلفة الاحتفاظ بالعميل غالبًا ما تكون أقل بكثير من تكلفة استقطاب عميل جديد، خاصة في أوقات تتراجع فيها الثقة وتزداد فيها حساسية العملاء تجاه المخاطر المالية.

كما أن العملاء الحاليين يكونون أكثر استعدادًا للاستمرار في التعامل مع البنك إذا شعروا بوجود دعم حقيقي وشفافية في التواصل ومرونة في تقديم الحلول.

ولذلك، تتجه البنوك خلال الأزمات إلى تعزيز برامج الولاء، وتحسين جودة خدمة العملاء، وتقديم تسهيلات مؤقتة مثل إعادة جدولة التمويلات أو تخفيض بعض الرسوم أو توسيع القنوات الرقمية لتسهيل الوصول إلى الخدمات، ومع ذلك، لا يعني هذا إهمال جذب عملاء جدد بشكل كامل، بل يصبح الاستهداف أكثر انتقائية ويركز على الشرائح التي تبحث عن الأمان والاستقرار والخدمات الرقمية الفعالة.

إدارة النفقات التسويقية في ظل الأزمات

تتجه كثير من المؤسسات المالية تلقائيًا إلى تقليص الموازنات التسويقية خلال الأزمات باعتبارها من النفقات القابلة للتأجيل. ورغم أن هذا التوجه قد يكون مفهومًا من منظور ضبط التكاليف، إلا أن التقليص العشوائي للأنشطة التسويقية قد يؤدي إلى فقدان الحضور الذهني للبنك وتراجع قدرته التنافسية في وقت تكون فيه السوق أكثر حساسية وتأثرًا، لذلك، فإن المطلوب ليس إيقاف الإنفاق التسويقي، بل إعادة توجيهه نحو القنوات الأكثر كفاءة وتأثيرًا.

ففي ظل الأزمات، تزداد أهمية التسويق الرقمي والقنوات منخفضة التكلفة وعالية الوصول، مثل التطبيقات البنكية ووسائل التواصل الاجتماعي والرسائل المباشرة والتواصل المخصص مع العملاء، كما يصبح قياس العائد على الإنفاق التسويقي أكثر أهمية من أي وقت مضى، بحيث يتم التركيز على الأنشطة التي تحقق نتائج ملموسة في الحفاظ على العملاء أو زيادة استخدام الخدمات أو تعزيز الثقة المؤسسية.

زيادة الاعتماد على التسويق الرقمي

ومن بين التحولات الأكثر أهمية في استراتيجيات التسويق المصرفي خلال الأزمات، يبرز التسويق الرقمي كخيار استراتيجي وليس مجرد بديل تقني، ففي أوقات الأزمات تتراجع فعالية كثير من الوسائل التقليدية بسبب ارتفاع تكلفتها أو محدودية الوصول إليها، بينما يمنح التسويق الرقمي البنوك قدرة أكبر على الاستمرار في التواصل مع العملاء بسرعة ومرونة وبتكلفة أقل نسبيًا، كما أن الأزمات غالبًا ما تدفع العملاء إلى الاعتماد بصورة أكبر على القنوات الإلكترونية لإنجاز معاملاتهم والحصول على المعلومات والخدمات دون الحاجة إلى زيارة الفروع، وهو ما يجعل الحضور الرقمي للمؤسسات المصرفية عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الثقة واستمرارية الخدمة.

ويتميز التسويق الرقمي خلال الأزمات بقدرته على إيصال الرسائل بصورة فورية ومباشرة، بما يساعد البنوك على طمأنة العملاء والرد على الشائعات وتوضيح الإجراءات الجديدة في الوقت المناسب، كذلك يتيح استخدام البيانات والتحليلات الرقمية فهم التغيرات السريعة في سلوك العملاء واحتياجاتهم، مما يساعد على تصميم حملات تسويقية أكثر دقة وفعالية، وإضافة إلى ذلك، يوفر التسويق الرقمي أدوات منخفضة التكلفة نسبيًا مقارنة بالإعلانات التقليدية، مع إمكانية قياس النتائج بشكل مستمر وتعديل الخطط التسويقية بسرعة وفق تطورات الأزمة، لذلك، فإن الاستثمار في التسويق الرقمي لم يعد خيارًا تكميليًا، بل أصبح أحد أهم عناصر المرونة المؤسسية والقدرة التنافسية للقطاع المصرفي في البيئات غير المستقرة.

البحوث ودراسة السوق

ومن الجوانب التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر خلال الأزمات تنشيط عمليات البحوث والتطوير داخل القطاع المصرفي. فالأزمات غالبًا ما تغيّر سلوك العملاء وتخلق احتياجات جديدة لم تكن موجودة سابقًا، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير منتجات وخدمات مبتكرة تتوافق مع طبيعة المرحلة، فعلى سبيل المثال، ساهمت الأزمات الصحية في تسريع انتشار الخدمات الرقمية والمحافظ الإلكترونية والدفع غير النقدي، بينما دفعت الأزمات الاقتصادية بعض البنوك إلى تطوير منتجات ادخارية وتمويلية أكثر مرونة تتناسب مع انخفاض القدرة الشرائية للعملاء.

كما يمكن للأزمات أن تخلق فرصًا للدخول إلى شرائح جديدة من السوق أو تطوير نماذج أعمال أكثر كفاءة، وهنا يأتي دور إدارات البحوث والتطوير في تحليل التغيرات السلوكية والاقتصادية بصورة مستمرة، والاستفادة من البيانات المتاحة لاكتشاف الاتجاهات الجديدة وابتكار حلول مصرفية سريعة الاستجابة، فالمؤسسات التي تنظر إلى الأزمة باعتبارها فرصة للتطوير غالبًا ما تكون أكثر قدرة على تحقيق النمو بعد انتهاء الأزمة مقارنة بالمؤسسات التي تكتفي بردود الفعل الدفاعية.

وفي الختام:

 يمكن القول إن نجاح الاستراتيجية التسويقية للمؤسسات المصرفية خلال الأزمات يعتمد بدرجة كبيرة على المرونة والقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات، فالأزمات، رغم ما تفرضه من ضغوط وتحديات، قد تحمل أيضاً فرصاً حقيقية لإعادة بناء العلاقة مع العملاء وتعزيز الابتكار وتطوير المنتجات والخدمات، ومن هنا، فإن القطاع المصرفي بحاجة إلى تبني نهج تسويقي ديناميكي يقوم على فهم التحولات السوقية، والاستثمار في الثقة والتكنولوجيا، والبحث المستمر عن الفرص الجديدة بدلًا من الاكتفاء بإدارة الخسائر وتقليص النفقات. فالمؤسسات التي تستطيع اكتشاف الفرص الكامنة داخل الأزمات هي الأكثر قدرة على تحقيق الاستدامة وتعزيز موقعها التنافسي في المستقبل.

 

* مدير التسويق وتطوير الأعمال - بنك الأمل للتمويل الأصغر

 

جمعية البنوك اليمنية   جمعية البنوك اليمنية

رابط مختصر:
UP