مقابلات ومقالات

  • شارك:

التضخم تحدٍ سياسيٍ واقتصاديٍ والتصدي له يتطلب قرارات صعبة


جمعية البنوك اليمنية - صنعاء     بتاريخ: 2022/07/17

 

*مارتن وولف من لندن

عودة التضخم ليست مجرد حدث اقتصادي مهم، إنها حدث سياسي أيضا، ولأن من غير المعقول تماما أن يتلاشى ببساطة دون التسبب في أي ضرر، يجب اتخاذ قرارات صعبة حول كيفية الاستجابة له.

يثير هذا مشكلات كبيرة، كيف وصلنا إلى هنا؟ كم سيكون حجم ومدة التباطؤ اللازم لإعادة السيطرة على التضخم؟ هل السياسة مشددة بما فيه الكفاية بالفعل؟ وإذا لم تكن كذلك، فما الخطوات الإضافية التي قد يتعين علينا اتخاذها؟ وبالتحديد، هل ينبغي لصانعي السياسة خفض التضخم إلى أهدافهم المعلنة، أم هل ينبغي لهم الاستسلام ورفع الأهداف بدلا من ذلك؟

يوفر أحدث إصدار من بنك التسويات الدولية تحليلا ممتازا لما يحدث، والأهم من ذلك، أنه يسلط الضوء على مخاطر الابتعاد عن نظام التضخم المنخفض في الـ40 عاما الماضية.

بحلول نيسان (أبريل) 2022 “كانت ثلاثة أرباع الاقتصادات تشهد تضخما أعلى من 5 في المائة”، حسبما يشير بنك التسويات الدولية، يضيف، “لقد عاد التضخم، ليس كصديق طال انتظاره، لكن كعدو خطير”.

 بالفعل، أصبح التضخم الآن مرتفعا ومنتشرا على نطاق واسع عبر الدول والقطاعات، كان هذا في البداية غير متوقع ومن ثم تم نفيه باعتباره مؤقتا، كما أن التضخم ملحوظ على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ببساطة، يهتم الناس به، ولا سيما أن التضخم غير المتوقع يعني أيضا تخفيضات غير متوقعة في المداخيل الحقيقية، وبشكل غير مفاجئ، هذا ممقوت بدرجة كبيرة.

الخطر الآن هو التضخم المصحوب بالركود الذي يعرف بأنه حلقة مطولة من النمو الضعيف إضافة إلى التضخم المتغير والمستمر، لمساعدتنا على فهم طبيعة هذا التحدي بشكل أفضل، يشرح بنك التسويات الدولية الاختلافات بين نظام التضخم المنخفض ونظام التضخم المرتفع، وهو يفعل ذلك عبر البحث في “الأمور غير الواضحة” في كيفية عمل نظامي التضخم في الواقع. والأهم، أنه اتضح أن التضخم يتصرف بطريقة مختلفة في هذين النظامين.

مثلا، عندما يكون التضخم منخفضا بشكل دائم، فإن تقلبه ينخفض أيضا، إنه توازن ذاتي، وهذا جزئيا لأن الناس يتوقعون استقراره، وأيضا لأنهم يتجاهلونه في معظم الأوقات، التقلب المنخفض للتضخم لا يرجع إلى التقلب المنخفض للأسعار الفردية، بل يرجع إلى الارتباط المنخفض بينها، تغيرات الأسعار النسبية، حتى الكبيرة منها، لها تأثير ضئيل على مستوى الأسعار العامة.

أما نظام التضخم المرتفع فهو عكس ذلك، تنتشر التحولات الكبيرة في الأسعار النسبية – الانخفاض الكبير في قيمة العملة، مثلا – بشكل سريع عبر الاقتصاد، حيث يكافح الناس لحماية أنفسهم من الصدمات التي تتعرض لها المداخيل الحقيقية، الآلية الكامنة وراء هذا الانتشار هي المنحنى الحلزوني للسعر مقابل السعر، والسعر مقابل الأجور، علاوة على ذلك، كلما زاد القلق، ازدادت الجهود الوقائية. التوقعات أمر بالغ الأهمية، عندما يتوقف الناس عن معرفة ما يمكن توقعه، يصبحون أكثر دفاعية بشكل أسرع.

تفسير ما يحدث على أنه نتيجة لصدمات التوريد “الخارجية” يعد خطا كبيرا، في الأغلب ما يكون ما هو خارجي لأي اقتصاد هو داخلي لجميع الاقتصادات، بالتالي، التوسع السريع في الطلب في عدد من الاقتصادات المهمة سيؤدي إلى طفرة في الطلب العالمي، ثالثا، سيظهر الطلب الزائد دائما عندما تكون الأسعار مرنة، ولا سيما في السلع.

وبشكل حاسم، نحن الآن على أعتاب التحول من نظام التضخم المنخفض إلى نظام التضخم المرتفع. لماذا وصل هذا الخطر؟ أحد التفسيرات هو الثقة المفرطة في استمرار التضخم المنخفض، تفسير آخر هو أهداف متوسط التضخم التي تنظر إلى الوراء والثقة المفرطة في القدرة على توفير التوجيه المستقبلي، ويتمثل تفسير ثالث في تجاهل الأموال عندما كانت، مرة أخرى، مهمة، مع ذلك، كانت الثقة المفرطة في القدرة على التوريد تفسيرا آخر، بالطبع، كان هناك أيضا الصدمات، مثل الحرب.

وكلما أصبح هذا التحول في الأنظمة راسخا، ازدادت تكلفة عكسه، في أسوأ الأحوال، قد يتطلب الأمر ركودا حادا أو تباطؤا طويل الأمد، حتى الآن، لم يوضح صناع السياسة هذا، وهذا هو السبب أيضا في تفضيلهم الاستسلام قبل أن يحققوا هدفهم، وهذا هو السبب أيضا في احتمال حدوث تضخم مصحوب بركود طويل الأمد.

إذن، السؤال المهم هو ما إذا كان صانعو السياسة قد فعلوا ما في وسعهم لخفض التضخم إلى أهدافهم، الحجة الرئيسة لديهم هي أن الظروف المالية أصبحت مشددة بشكل حاد بالفعل، ويرتبط ذلك ارتباطا وثيقا بارتفاع الهشاشة المالية منذ فترة التضخم المصحوب بالركود في السبعينيات، في الوقت نفسه، لا تزال نسب الأموال الواسعة إلى الناتج المحلي الإجمالي الاسمي عند مستويات غير مسبوقة، في حين تظل معدلات السياسة الحقيقية سلبية، من المحتمل جدا أن تضطر السياسة إلى التشديد بشكل أكبر في الأشهر المقبلة.

في مواجهة الحاجة إلى حالات تباطؤ أعمق أو سياسة أكثر تشددا، قد تتراجع البنوك المركزية، السياسيون سيفعلون ذلك بالتأكيد، والنتيجة المحتملة هي فترة تضخم مصحوب بالركود، حيث تتأرجح البنوك المركزية بين بذل القليل جدا من الجهد، ثم عكس اتجاهها، ثم بذل القليل جدا من الجهد مرة أخرى، والسبب الآخر هو أن كثيراً من صانعي السياسة يتفقون على أن نسبة 2 في المائة من التضخم صارمة للغاية، لماذا لا يكون الهدف عند 4 في المائة أو أكثر بدلا من ذلك؟ من شأن ذلك أن يمنح البنوك المركزية مجالا أكبر للمناورة الهبوطية في أسعار الفائدة في المستقبل، وبالتالي تقليل الحاجة إلى التسهيل الكمي في فترات الركود اللاحقة.

الحجة جذابة، ولا سيما سياسيا، لكن هناك اعتراضات قوية، الاستسلام عندما يصبح الأمر صعبا يخبر الناس أن صانعي السياسة سيستسلمون دائما كلما أصبح الأمر صعبا، علاوة على ذلك، هناك بديل هو استخدام معدلات السياسة السلبية بدلا من ذلك. معدل التضخم بنسبة 4 في المائة سيكون واضحا للغاية طوال الوقت، في مثل هذه البيئة الحساسة للتضخم، لن يجد الناس صعوبة كبيرة في الفصل بين التغيرات النسبية والأسعار العامة فحسب، بل سينتظرون فقط ليخدعهم صناع السياسة مرة أخرى.

الأموال مصلحة عامة أساسية، والأموال السليمة تدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي، يجب ألا يتم التخلص منها.

 

الاقتصادية

جمعية البنوك اليمنية   جمعية البنوك اليمنية

رابط مختصر:
UP